القرطبي

111

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اللبس الخلط ، وقد تقدم في البقرة ( 1 ) . ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ذلك ( 2 ) . ( وتكتمون الحق ) ويجوز " تكتموا " على جواب الاستفهام . ( وأنتم تعلمون ) جملة في موضع الحال . قوله تعالى : وقالت طائفة من أهل الكتب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ( 72 ) نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصف وغيرهما ، قالوا للسفلة من قومهم : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، يعني أوله . وسمي وجها لأنه أحسنه ، وأول ما يواجه منه أوله . قال الشاعر : وتضئ في وجه النهار منيرة * كجمانة البحري سل نظامها ( 3 ) وقال آخر : من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار وهو منصوب على الظرف ، وكذلك " آخره " . ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين . والطائفة : الجماعة ، من طاف يطوف ، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة . ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض : أظهروا الايمان بمحمد في أول النهار ثم أكفروا به آخره ، فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم ، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا . وقيل : المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق ، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قبلتكم ، عن ابن عباس وغيره . وقال مقاتل : معناه أنهم جاءوا محمدا صلى الله عليه وسلم أول النهار ورجحوا من عنده فقالوا للسفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا : قد نظرنا في التوراة فليس هو به . يقولون إنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه .

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 340 . ( 2 ) في ج : معنى تلك . ( 3 ) البيت للبيد . والجمانة : حبة تحمل من الفضة كالذرة ، والذي في اللسان والتاج : وتضئ في وجه الظلام .